أبي منصور الماتريدي

465

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ جائز أن يكون أراد به الشراب الذي وصفه في قوله : رَحِيقٍ مَخْتُومٍ . . . الآية . والتنافس حرف يستعمل في الخيرات ؛ كأنه يقول : فليرغبوا في الشراب الذي هذا وصفه ، الذي [ لا ] « 1 » غول فيه ولا هم ينزفون ، لا في الشراب الذي يذهب بالعقول ، ويضعف الأبدان ، ويتلف الأموال . أو فليتنافسوا في النعيم الذي وصف هاهنا ، لا في النعيم الذي ينقطع ولا يدوم ؛ فكأنه « 2 » يقول : فليرغبوا فيما يعقب لهم النعيم الدائم والشراب الذي لا تنقطع لذته . وقيل : خِتامُهُ مِسْكٌ : ما بقي في الكأس من البقية يكون ذلك مسكا . والتنافس إنما يكون في المسارعة في الخيرات ، وترك الاتباع للشهوات ، والانتهاء عن المعاصي ، وهو كقوله : لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ [ الصافات : 61 ] ، أي : فليكن عملهم بما يثمر لهم ما ذكر من النعيم ، لا في الذي ينقطع ، وتكون عقباه النار . وقوله - عزّ وجل - : وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ، قيل : التسنيم : شيء أعده الله - تعالى - لأوليائه ، لم يطلعهم عليه في الدنيا ، وهو من قرة الأعين التي لا تعلمها الأنفس ، فوصف مرة المزاج بالمسك ، ومرة بالكافور بقوله : كانَ مِزاجُها كافُوراً [ الإنسان : 5 ] ، ومرة أخبر أنه ممزوج بالتسنيم ، ولم يبين ما التسنيم ، والسنام : اسم ما ارتفع من الشيء ؛ فيجوز أن يكون سمي : تسنيما ؛ لأنه ينحدر إليهم من الأعلى ، وأخبر أنه ممزوج بما إلى مثله ترغب الأنفس في الدنيا وتشتاق إليه ؛ ألا ترى أن الشراب في الدنيا إذا كان ممزوجا فهو في القلوب أوقع ، وتكون الأنفس إليه أرغب منه إذا كان غير ممزوج ، فرغبوا بمثله في الآخرة . وذكر بعض أهل التفسير أن المقربين يسقون من ذلك الشراب صرفا ، ويمزج لغيرهم . وقال الحسن : المزاج يكون للمقربين وغيرهم ، وجعل الممزوج منه أشرف ، على ما ذكرنا . وقوله - عزّ وجل - : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ . المقربون هم الذين يسارعون في الخيرات في الدنيا ، فتركوا منى الأنفس ، واتقوا المهالك والزلات ، فهم المقربون ، وأضاف التقريب إلى الغير ؛ لأنهم بغيرهم ما وفقوا لاكتساب الخيرات ، وعصموا عن ارتكاب المهالك والزلات ، لا بأنفسهم ؛ فنالوا فضل

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : حكاية .